صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

22

تفسير القرآن الكريم

اليمن والشوم ، لأنّ السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم ، والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم ، والسابقون المخلصون ، الذين سبقوا إلى ما دعاهم اللّه إليه وشقّوا الغبار في طلب مرضات اللّه . والأولى ما ذكر أوّلا . وهاهنا وجه آخر ذكر في كثير من التفاسير وهو : إنّ أصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، وأصحاب المشئمة هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلي النار . وتحقيقه إن العالم بتمامه كشخص واحد ، لأنّ وجوده ظل لوجود الحقّ ، فله وحدة طبيعيّة جمعيّة هي ظلّ للوحدة الحقّة الإلهيّة ، وله روح واحد هو الروح الأعظم والعقل الأول ، المشتمل على مجموع الأرواح الكلّية العقليّة اشتمالا عقليّا وله كالإنسان جانبان : أحدهما جانب اليمين ، وفيه الملكوت الأعلى ، وهي المدبّرات العلويّة المتعلّقة بالبرازخ النوريّة ، وفيها جنّة السعداء ، ومن ملائكتها من يسوقون عباد اللّه إلى رضوانه ومنهم كتّاب حسناتنا يكتبون صحائف أعمالنا الحسنة وهم الملائكة العلّيون وبأيديهم كتاب الأبرار : إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ 83 / 18 ] والكتابة عبارة عن تصوير الحقايق ، والكتّاب هم المصوّرون الناقشون ، والصحيفة هي محلّ التصوير والنقش ، وكذا القلم هو الواسطة بين يمين الكاتب والكتابة . فالمراد من الكاتب هاهنا جوهر ملكوتي فعّال علويّ ، ومن القلم قوّته العمليّة المصوّرة ، ومن الصحيفة نفوسنا الناطقة الخالية عن النقوش في أوّل الفطرة ، ولا شكّ إنّ هذه الكتابة لا يمكن أن يشاهدها أحد بهذه الحواسّ الكدرة الترابيّة البالية ، لأنّها